شريط الاخبار

سم الشائعات قد يقتل العملية التعليمية في المدارس والجامعات

من التحديات التي تواجه الشباب اليوم انتشار الشائعات السلبية المغرضة التي  تستهدف عقل الإنسان وقلبه ونفسه, أي أنها تتجه إلى معنوياته لا ممتلكاته، حيث إن ميدانها هو الشخصية، وتستهدف الفكر والعقيدة والروح لتحطيم معنويات الفرد الذي يعيش في المجتمع المستهدف بالإشاعة, فيكون معرضًا دائمًا لكثيرٍ من الأمراض النفسية والاجتماعية التي تسيطر عليه وتتحكم في تصرفاته وأفعاله, وتعتمد على التعامل مع ميول الإنسان وحاجاته ورغباته، وتمهد الطريق أمام السلاح النفسي للوصول إلى الهدف المطلوب في الزمان والمكان المحددين.

من أجل هذه الاعتبارات كان الوقوف عند التيارات التي تستهدف الشباب والمتمثلة بنشر الشائعات بينهم أمرًا ملحًا وضروريًا في هذه المرحلة بالذات, وكان التساؤل ضروريًا عن مدى تأثير تلك الشائعات في قيم شبابنا وأفكارهم وسلوكهم وشخصيتهم, فالشباب من أكثر الشرائح العمرية تأثرًا بما يجري في عالمنا المعاصر, يتفاعل مع كل جديد, ويعشق مظاهر التحديث في كل شيء، وهو سريع التصديق لكل ما يشاع ويعرض, وهنا تكمن الخطورة..

سلاح التربية

تعد تربية الشباب مشكلة أساسية لدى التربويين على اختلاف فلسفاتهم ومذاهبهم, كما تعد من الوسائل المهمة في تحقيق الأمن الوطني الحقيقي  لما لها من تأثير على اتجاهات الشباب المختلفة, ومرد هذه الصعوبة يعود إلى التغيرات الكبيرة التي أصابت جوانب الحياة جميعها, وعصفت بالكثير مما كان مستقرًا وراسخًا من حقائق ومسلمات ونظريات وإيديولوجيات وعقائد.

وليس غريبًا أمام هذه المشكلة الشائكة أن تدق الهيئات والمنظمات الدولية ومعها دول العالم الثالث جرس الإنذار لتنبه إلى خطورة هذه الشائعات على سلوك أبنائها وطلابها ، مطالبة باتخاذ إجراءات وقائية وإعلامية وتربوية, إذ وجدت الأنظمة التربوية في هذه الدول نفسها أمام تحدي الاستجابة لهذه الأزمة والتفاعل معها من أجل الخروج من المأزق وتجنب الآثار السلبية على المستوى التربوي والثقافي.

وعليه فإن المؤسسات التعليمية والتربوية على اختلاف مستوياتها إضافة إلى الجامعات تصبح معنية بالتصدي لهذه المشكلة من خلال الاهتمام بتكوين المتعلمين اجتماعيًا وثقافيًا وخلقيًا وزيادة وعيهم من أجل التصدي للمشكلات التي تعصف بهم, ومن خلال ممارستها دورًا فاعلاً ومؤثرًا لحماية الجيل من الأفكار الغريبة والإشاعات التي تهدف إلى التأثير على قيم الفرد ومعتقداته.

وتتعرض الأجيال اليوم لتيارات معادية تهدد قيمه الروحية والأخلاقية، تسعى إلى تشويه مبادئ الشباب العربي المسلم وأفكاره والإساءة لأخلاقياته وسلوكياته وسيرته وحتى وجوده، ودفعه إلى الجنوح والشذوذ والجريمة لكيلا يقوى على أداء أبسط واجباته ومسؤولياته للأمة والمجتمع, لذلك فإن مهمة حماية الشباب وتحصينهم مسؤولية مشتركة لابد أن يحمل لواءها جميع الأفراد والمؤسسات في المجتمعات المستهدفة, فوسائل الإعلام والمدرسة والأسرة والجمعيات والمنظمات الشبابية كلها معنية أمام هذا الواقع, ولابد لها من القيام بمهامها والتزاماتها التربوية والأخلاقية والوطنية على أحسن وجه كي تسد الطريق أمام هذه الشائعات والوقوف عند الآليات والاستراتيجيات والأساليب التربوية التي تحصن هؤلاء الشباب وتحميهم وتساعدهم على الصمود والمواجهة والثبات في خضم هذه التيارات الوافدة.

المدرسة في مواجهة الشائعة

على رغم الدور الإيجابي الذي تؤديه المدرسة في تفعيل آليات الضبط، إلا أن التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تمر بها البيئة المدرسية في الوقت الحاضر أصبحت تفرض على النسق التربوي مسؤوليات مضاعفة، تتجاوز حدود التعليم في نمطيته التقليدية، وتفرض على النسق التربوي الاضطلاع بدور أكثر أهمية في تشريب الناشئة المعايير والقيم التي تحافظ على أمن واستقرار المجتمع, فالنسق التربوي في الوقت الحاضر يعاني الكثير من الضغوط بسبب قصوره عن أداء بعض الأدوار المناطة به.

يمكن القول إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه اليوم المدرسة الحديثة يتمثل في مسؤولية الدور المناط بها في تقليل ومعالجة انتشار الشائعات بين طلبتها سواء أكانوا صغارًا أم كبارًا ذكورًا أم إناثًا، حيث إن هذا الأمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا وجوهريًا بالتربية والتعليم إذ بقدر ما نغرس القيم الأخلاقية النبيلة في نفوس أبنائنا الطلبة بقدر ما يسود ذلك المجتمع الأمن والاطمئنان والاستقرار، ويكون حصنًا منيعًا في وجه الشائعات ومروجيها في كل زمان ومكان, ويمثل النسق التربوي أحد الأنساق الاجتماعية المهمة التي تؤدي عملًا حيويًا ومهمًا في المحافظة على بناء المجتمع واستقراره حيث يؤكد رجال التربية أن للنظام التربوي وظيفة مهمة في بقاء وتجانس المجتمع من خلال ما يقوم به النظام التعليمي من نقل معايير وقيم المجتمع من جيل إلى آخر.

ويجب على المدرسة ممثلة في المدرسين والعاملين فيها تحديد الأفراد والجماعات المستهدفة أو الهشة والتي يقصد بها أي جماعات محددة داخل المؤسسة التعليمية يمكن أن تكون عرضة للانسياق وراء الأفكار الهدامة ومحاولة توجيههم، ووضع برامج خاصة لهم ومتابعتهم والإشراف عليهم من قبل الموجهين والمرشدين في المدرسة، وتنفيذ خطط وقائية وفتح قنوات اتصال مباشرة معهم لتزويدهم بالمهارت والمعارف والخبرات اللازمة الضرورية لمواجهة الشائعات أثناء حدوثها في الوسط التعليمي.

وتشير بعض الأبحاث التربوية إلى أن عدم القدرة على استيعاب حاجات الطلاب وتلبيتها يمكن أن يؤدي إلى تسربهم خارج السلك الدراسي، ما يدفعهم إلى ممارسة نشر الشائعات وترويجها، ليتحولوا إلى فريسة سهلة لأولئك الذين يريدون بث الفوضى وزعزعة الاستقرار النفسي والتربوي للتلاميذ من أجل تنفيذ مخططاتهم.

لذلك، فإن تفعيل الدور الأمني للمدرسة في التصدي للشائعات ومروجيها يجب أن يقوم على أساس تعويد الطلاب على التعليم الحواري القائم على التفكير والإبداع الذي يسمح لعقل الطالب بتأمل الأمور ورؤية الحقيقة من أكثر من زاوية بما يمكنه من الابتعاد عن أن يصبح فريسة سهلة للشائعات والأفكار الهدامة والمعلومات المغلوطة الداعية للعنف والتخريب.

كذلك لابد من الاهتمام بالتربية باستمرار لتكّون الفرد المبدع الذي يربط بين الثقافة التربوية والثقافة المعلوماتية والتكنولوجية والثقافة المعرفية, من أجل حماية الجيل الناشئ من التماهي والذوبان أمام كل ما هو وارد من الخارج, والتعبير عن وجوده وهويته وقوميته وأفكاره من خلالها.

وبما أن النتائج السلبية للشائعات ستترك آثارها على تربية جيل الشباب التي من شأنها أن تثير الشكوك بين الطلبة وتزيد العداوة والبغضاء بينهم  الأمر الذي سينعكس سلبًا على مستواهم الدراسي وتحصيلهم العلمي، فعلى الأنظمة التعليمية أن تعيد النظر في الأهداف والمحتوى والقيم التربوية بشكل يجعل الطلبة يتعايشون مع مستقبل آمن يخلو من الشكوك والتأثيرات السلبية وجعلهم على الصعيد الثقافي والقيمي يمتلكون القدرة على التمييز والتشخيص.

كذلك يجب تربية النشء على التفكير الذي يمحص الأمور قبل أن يصدقها أو يقبلها أو يرفضها, ولا يجعلهم فريسة سهلة لمثل هذه الإشاعات. وأخيرًا، إشاعة فضيلة الصدق في المجتمع واعتباره من أهم المقومات الأخلاقية للناس بوجه عام ولقادة السياسة والفكر بشكل خاص.

المسرح المدرسي لمحاربة الشائعات

أثبتت تجارب المسرح نجاعتها من خلال مسرحيات هادفة من أجل إثراء الرصيد المعرفي عند الطلاب لتعريفهم وتوعيتهم بخطورة الشائعة حيث بدأت الكثير من الأنظمة التربوية في العديد من بلدان العالم بزيادة الاهتمام بالمسرح المدرسي وتوظيفه لخدمة العملية التربوية.

وتؤدي تجارب المسرح المدرسي دورًا مرموقًا في مجال توجيه الأطفال وإنماء مداركهم, ومعالجة بعض المشكلات السلوكية بأسلوب درامي مسرحي مشوق، حيث يحقق المسرح تدريبًا إيجابيًا مفعمًا بالعظة والأحكام الخلقية, وهو ليس وسيلة ترفيه أو متعة بقدر ما هو أداة تنوير ووسيط هام لنقل الفكر وبث الوعي والنهضة الاجتماعية والفكرية بين أوساط الطلبة.

ويكمن الهدف الذي يرمي إليه هذا النوع من المسرح في تنمية ثقافة التلميذ في معالجة بعض الانحرافات الأخلاقية والآراء الاجتماعية السلوكية لجهة عدد من المسائل الهامة التي تواجهه وعلى رأسها بث الشائعات في البيئة المدرسية عمومًا وبين الطلبة خصوصًا, وبخاصة وقت الاختبارات المدرسية للتشويش على الطلاب ومحاولة منها نشر الفوضى وزعزعة الهدوء النفسي وزيادة التوتر ونقص التركيز لدى التلاميذ.

المسرح هو الوسيلة الناجحة لتعليم الطلاب كيفية التعامل مع الشائعات، من خلال التمثيل المسرحي ومن خلال تشخيص المشكلة بأسلوب حواري يؤديه مجموعة من تلاميذ المدرسة.

كما يوفر استخدام المسرح كأداة تربوية إبداعية فرصًا لدحض الشائعات المغرضة وتقديم نظرة متوازنة والتأثير على السلوك, ويمكنه أن يستخدم بفعالية وأن يشكل وسيلة ممتازة وطريقة مقنعة ومهمة لاستكشاف القضايا الحساسة، خاصة حينما يتعلق الأمر بالنشء.

error: مرحبا بكم في جهاز الاستخبارات العسكرية الفلسطينية