الشائعات في وسائــل التواصـل الاجتماعي وتأثيراتها السلبية

في الوقت الذي أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات المهمة فيما يطلق عليه الإعلام الاجتماعي أو الإعلام الجديد أو البديل بالنظر لما تقوم به من دور متعدد الأبعاد، سياسي واجتماعي وثقافي واجتماعي، فإنها تظل في الوقت ذاته حاملة أو مروجة لأحد مصادر التهديد للأمن الوطني للدول والمجتمعات، في ظل لجوء البعض إلى توظيفها بشكل سيئ في نشر الشائعات والأكاذيب المغرضة. بل إن الأمر اللافت للنظر أن الشائعة استفادت أكثر من أي وقت مضى من وسائل الاتصال والتواصل الحديثة مثلما يحدث في تداول الشائعات داخل أسواق المال وغير ذلك عبر الرسائل الإلكترونية والهاتف المحمول، حيث يمكن لشائعة أن تحدث انهياراً أو على الأقل تراجعاً كبيراً في أداء البورصات أو انهياراً لأسهم شركات بعينها في البورصة.
يجب توخي الحيطة والتثبت في نقل المعلومات والأنباء ليكون استخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي لكل ما فيه خير مجتمعنا ووطننا، راجياً المولى، عز وجل، أن يديم نعمة الأمن والاستقرار والتقدم والازدهار في ربوع وطننا الغالي، وأن يشمل برعايته وعنايته قيادتنا الحكيمة، وجميع المواطنين  على هذه الأرض العزيزة، وأن يحمي الجميع من شرور المتربصين والمغرضين.
انتشار هذه النوعية من الشائعات المغرضة يثير بدوره العديد من التساؤلات، حول ماهية الشائعة؟ وطبيعة تأثيرها على الأمن الوطني للدولة بمفهومه الشامل؟ وطبيعة الدور الذي تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات؟ وكيفية التصدي لمثل هذه الشائعات؟.
مفهوم الشائعات ودور وسائل التواصل الاجتماعي في نشرها
الشائعة هي مجرد “رسالة” سريعة الانتقال، الهدف منها إحداث بلبلة أو فوضى لتحقيق أهداف في غالبها تكون هدامة؛ لأنها تلعب على وتر تطلع الجمهور لمعرفة الأخبار في محاولة لإحداث التأثير المستهدف لمروجيها خاصة في أوقات الأزمات. وبحسب كتاب سيكولوجية الشائعة Psychology of Rumor فإن انتشار الشائعة يساوي أهمية الموضوع المتصل بالشائعة مضروباً في مدى الغموض حوله، الأمر الذي يعني أن الشائعة تكون أكثر انتشاراً كلما كان الموضوع مهماً وكبيراً، ويشغل حيزاً من اهتمامات الجمهور الذي يتطلع إلى معرفة أي أخبار حول هذا الموضوع. والعكس تماماً يحدث إذا ما فقد الموضوع أهميته أو كانت المعلومات حوله واضحة وغير محددة، فإن الشائعة لن تجد من يبدي بها اهتماماً.
ويعرف العلماء والباحثون في علم الاجتماع “الإشاعة” بأنها خبر أو مجموعة من الأخبار الزائفة التي تنتشر في المجتمع بشكل سريع وتداولها بين العامة ظناً منهم في صحتها، ودائماً ما تكون هذه الأخبار شيقة ومثيرة. وتفتقر هذه الإشاعة عادة إلى المصدر الموثوق الذي يحمل أدلة على صحتها، وتهدف هذه الأخبار إلى التأثير على الروح المعنوية والبلبلة وزرع بذور الشك، وقد تكون هذه الإشاعة ذات طابع “عسكري أو سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي او تربوي”
وتعرف الإشاعة أيضاً بأنها “ترويج لخبر لا أساس له من الواقع، وتعمد المبالغة أو التهويل والتشويه في سرد خبر أو التغليف عليه بأسلوب مغاير بقصد التأثير النفسي على الرأي العام المحلي أو العالمي لأهداف اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو عسكرية”. ويتفق علماء النفس والمختصون والباحثون في هذا المجال على أن الإشاعة تعد أحد أساليب الحرب النفسية، فقد ورد في معظم كتب الحرب النفسية أن الإشاعة أسلوب من أساليبها، أو هي وسيلة من أقوى وسائلها، مثلها في ذلك مثل الدعاية وغسل الدماغ أو افتعال الفتن والأزمات وغير ذلك من الأساليب الكثيرة.
وعلى الرغم من أن الشائعة لا تعتبر من الظواهر الحديثة في عالمنا المعاصر، كونها ظلت ملازمة لتطور المجتمعات والدول على مر العصور، فإنها في وقتنا الراهن باتت من أخطر الأسلحة التي تهدد المجتمعات في قيمها ورموزها، لدرجة أن هناك من يرون أن خطرها قد يفوق أحياناً أدوات القوة التي تستخدم في الصراعات السياسية بين الدول؛ بل إن بعض الدول تستخدمها كسلاح فتاك له مفعول كبير في الحروب المعنوية أو النفسية التي تسبق تحرك الآلة العسكرية؛ ولا يتوقف خطرها عند هذا الحدّ فحسب، بل إن لها تداعيات اقتصادية ومجتمعية هائلة خاصة في ظل ثورة المعلومات والتكنولوجيا.
وتنتشر الشائعات وينشط مروجوها خلال “أوقات توقع الخطر”، وهي أوقات الحروب والكوارث والفوضى؛ لأن الناس يتوقعون حدوث الشر خلال هذه الأوقات، وهذا هو سبب انتشار الشائعة لأن الناس، في هذا التوقيت، حينما يسمعون أي معلومة يتناقلونها فيما بينهم من دون التحقق من صحتها خوفاً منهم على أبنائهم وممتلكاتهم.
ومن الناحية النظرية كان من المتوقع أن تتراجع الشائعات مع هذا الانتشار الرهيب لوسائل الاتصال، حيث لم يبق هناك شيء مخفيّ. ولكن الواقع أن الشائعات تتزايد باستمرار، بل تستفيد من وسائل الاتصال العادية والإلكترونية في مزيد من الانتشار، ما يعني سقوط رهانات كثير من الخبراء الذين كانوا يعتقدون أن انتشار وسائل الاتصال والتقدم في تكنولوجيا المعلومات سيؤدي إلى تراجع الشائعات، بل إن اللافت للنظر أن الشائعة استفادت من وسائل الاتصال مثلما يحدث في تداول الشائعات داخل أسواق المال وفي التنافس بين الشركات الكبرى في مجال المال والأعمال وأسواق البورصة.
لقد بات واضحاً أن انتشار الإشاعات بصورة واسعة في المجتمعات هو إحدى سمات عصر الثورة التكنولوجية وابتكار التقنيات الاتصالية الحديثة، لأن كل شيء يدور في هذا العالم الافتراضي يتم التعامل معه على أساس أنه معلومة بغض النظر عن صحته أو خطئه، وإذا ما كانت مفيدة أو غير ذلك. كما أن المعلومة لم يعد إنتاجها حكراً على جهة معينة أو شخص محدد يمتهن إنتاج المعلومات كالصحفيين أو المؤسسات الإعلامية وفقاً لمعايير محددة، فقد أصبح بإمكان أي شخص يمتلك الوسيلة المناسبة وبعض المهارات التقنية أن يكون بنفسه منتجاً وناشراً للمعلومة. وفي ظل هذه الوفرة المعلوماتية ولمحدودية مصادرها، فإن مشكلة شديدة التعقيد ظهرت حين أصبح من الصعب على من يتلقى هذا الكم من المعلومات أن يميز الصحيح من الخاطئ والجيد من الرديء، والحقيقة من الإشاعة.
والجانب الأخطر مما سبق أن هناك شواهد عدة تشير إلى تحول الإعلام في بعض الأحيان إلى مربع “الشائعة” بمعنى أن الإعلام يتخلى عن دوره الحقيقي ليتداول وقائع وأحداثاً أقرب إلى الشائعات منها إلى الأخبار، لدرجة انهارت معها الحدود الفاصلة بين فنون حديثة مثل “الإعلان” و”الدعاية” من ناحية، والشائعات من ناحية ثانية بحيث زالت المسافات وأصبح “الإعلان” في بعض الأحوال نوعاً من الشائعات المقننة، وكذلك تحوّلت فنون “الدعاية” إلى ممارسات لنشر الشائعات التي يمكن أن تندرج ضمن مفهوم “الشائعة”.
لقد باتت وسائل التواصل الاجتماعي إحدى الأدوات التي يتم استخدامها بشكل سلبي في نشر الشائعات، بدليل أن معدلات انتشار الشائعات تتناسب طردياً مع التقدم في تكنولوجيا الاتصال وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع. حيث يلجأ مستخدمو هذه الوسائل في التخفي أو من خلال هويات غير حقيقية في نشر بعض الأخبار الكاذبة التي تجد رواجاً لدى كثيرين، وخاصة إذا ما تم الأخذ في الاعتبار هنا أن سيكولوجية الشائعات تشير إلى انتفاء الفوارق الثقافية بين المتلقين عند تداول الشائعة، والتعاطي معها في أحيان كثيرة.
الخطير في الأمر أن الشائعات تنتشر هذه الأيام بسهولة، ليس لتنامي مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي فقط، وإنما لأن الأحداث والتطورات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة من حولنا تجعل من الأكاذيب بيئة خصبة للنمو والتكاثر أيضاً، خاصة إذا كانت هذه النوعية من الشائعات تستهدف رجال السياسة والإعلام، والشائعات حول الأمراض والأوبئة، وغيرها من القضايا التي لا تنفصل عن الأمور الحياتية لأفراد المجتمع.
ويمكن تصنيف الشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي من حيث أهداف نشرها إلى قسمين: أولهما نشر شائعات مع سبق الإصرار والترصّد. وهي المعلومات التي ينشرها أصحابها، وهم على يقين ودراية تامة بكون هذه الأخبار عارية عن الصحة. وعادة ما يكون لدى هؤلاء هدف أو غرض محدّد من نشر هذه الأخبار بحسب نوع الخبر وطبيعته. فإما أن يكون الغرض تجارياً بحتاً، يسعى إلى زيادة الإقبال على منتج معين عن طريق استخدام الإشاعة كآليّة تسويقية مبتكرة، أو لغرض التشويش أو الإساءة إلى شركة أو شخص منافس عن طريق تحريف الحقائق. في بعض الحالات يتمّ بناء مواقع كاملة، هدفها الأول تسويقي، تُنسب لمجموعة هواة في ما هي في الأصل من طرف الشركات المعنية بهذه المنتجات نفسها. وهناك شائعات يتم نشرها عن قلة دراية وضعف خبرة، وهذا النوع من الشائعات ينتشر بشكل عفوي غير مقصود، سواء بسبب التسرّع في نشر الأخبار من دون التحقق من مصادرها الأصليّة، أو عن طريق تحريف الكلام الصادر عن المصدر الأصلي نتيجة التجزئة أو الاقتباس المخلّ بالمعنى.
مدى انتشار الشائعات
وعلى الرغم من فاعلية وسائل التواصل الاجتماعي ودورها الإيجابي في نشر الأخبار وخدمة الجمهور، فإنها تلعب دوراً سلبياً موازياً في نشر الشائعات والأخبار الكاذبة التي لا يمكن تصنيفها كشائعات، ولكنها ربما تمتلك هي الأخرى تأثيرات سلبية تفوق الشائعات وإن اختلفت عنها في نوايا مصدر المعلومات. إذ تمثل وسائل التواصل الاجتماعي بطبيعتها بيئة خصبة لتناقل الأخبار بغض النظر عن صحتها كونها تعمل من كونها مواثيق شرف أو قواعد أو معايير، ولا يخضع تناقل الأخبار فيها غالباً إلى أي نوع من المساءلة القانونية.
أما النوع الثاني من الشائعات فهو الذي يفرز تداعيات على الأمن الوطني للدول والمجتمعات، وفي الغالب فإن هذه النوعية من الشائعات تتنوع مصادرها وأهدافها، فقد تكون نتاج أشخاص أو جهات خارجية أو شركات كبرى، وفي الغالب فإن دوافع وأهداف هذه النوعية من الشائعات تتمثل في الآتي:
– زعزعة الاستقرار الداخلي للدول والمجتمعات، خاصة إذا استهدفت هذه الشائعات رموز أو قيادات دولة ما، أو تطرقت إلى قضايا ترتبط بالأمن المجتمعي للمواطنين في دولة ما، هنا يظل تأثير الشائعة قائماً ومستمراً لفترة ما، خصوصاً في زمن الاتصال السريع والتواصل عبر الشبكات الاجتماعية والمعلومة الآنية التي تنتشر انتشار النار في الهشيم.
– إثارة الفتن والخصومات وتعميق الخلافات القائمة بين فئات المجتمع, والتي تعمل الشائعات على إيجادها محاولة استغلال الظروف والمواسم والمناسبات بغرض النيل من سمعة الشخص المقصود أو المساس بمركزه الاجتماعي أو التعرض لمكانته.
– تهديد الأمن الاقتصادي للدول والشركات الكبرى، من تركيز مروجي الشائعات على المنشآت الاقتصادية والتجمعات العمالية وأسواق البورصة وغيرها من السلع التي تلعب دوراً استراتيجياً في حياة الناس، بقصد خلق كل ما من شأنه إعاقة سير الإنتاج والتنمية الاقتصادية.
الشائعات إحدى أدوات حروب الجيل الرابع
تمثل الشائعات إحدى أدوات الحرب الحديثة، وتندرج ضمن ما يسمى “الجيل الرابع” من الحروب، والذي تعد فيه الإشاعة أحد الأساليب المهمة، وترويجها في موضوع معين لا يتم بشكل عشوائي، وإنما قد تقوم أجهزة معينة تابعة لبعض الدول بترويج بعض الإشاعات عن قيادات دولة ما أو الوضع الاقتصادي لدولة ما لتحقيق مجموعة من الأهداف التي تخدم الدولة التي روجت هذه الإشاعة، وتأثير هذه النوعية من الإشاعات قد يكون شديد الخطورة على جميع النواحي سياسياً واقتصادياً، فقد يؤثر بالسلب على اقتصاد الدولة ويسهم في إعلان إفلاسها، فضلاً عن الإشاعات السياسية التي من الممكن أن تؤدى لتباين وجهات النظر والاستقطاب في داخل هذه الدولة. وفي الآونة الأخيرة أضحت الشائعة أحد الأدوات التي تلجأ إليها الدول لتبرير سياستها الخارجية.
 ويستند الجيل الرابع من الحروب على تشتيت الانتباه والاتصالات التي تعمل على إزالة جبهة القتال تماماً، والاكتفاء بالهجوم الثقافي اعتماداً على مقاتلين جدد على هذه الجبهة المستحدثة عبر وسائل الإعلام مع شن أعمال عنف مبرمجة بدقة لشل الإرادة والإرباك ثم انهيار العدو السياسي، بدلاً من السعي إلى عمليات قتالية حاسمة.
ويتضح أن حروب الجيل الرابع تنطوي على متغير حيوي، هو أن التهديد ينبع من الداخل بحيث يتم توظيف عناصر وعوامل داخلية معينة لتوظيفها وتحريكها عن طريق الشائعات وغيرها من أدوات من أجل تحقيق أهداف هذه الحروب والقائمين عليها. ومن هنا تنبع أهمية تعميق قيم الولاء والانتماء إلى الوطن، وتبرز كذلك أهمية الالتفاف والتوحد والالتحام حول راية الوطن وقيادته، كما تتضح كذلك خطورة التنظيمات والجماعات عابرة الوطنية التي تتجاوز الولاءات الوطنية والانتماءات الجغرافية للأرض والمكان، حيث تصبح مثل هذه الجماعات أداة طيعة يمكن توظيفها بسهولة في شن حروب ضد الأوطان من الداخل.

Views: 752

شاهد أيضاً

ترويج الشائعات : كيف تتعامل مع مروجي الشائعات بشكل ملائم ؟

ترويج الشائعات هو أمر خاطئ بكل تأكيد، لكن للأسف الكثيرون يقعون في هذه المشكلة، نساعدك …