دور الاعلام في الوقاية من الجريمة والانحراف

من المسلم به أن الأمن يُعد من أهم الركائز التي يقوم عليها المجتمع, حيث إن تقدم المجتمع يتناسب تناسباً طردياً مع أمنه واستقراره؛ فهناك ارتباط وثيق بين الأمن والتنمية؛ فلا تنمية بلا أمن؛ وبالأمن تستقر الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وحتى يتحقق الأمن على النحو المطلوب, يتعين أن تشارك جميع أجهزة الدولة تحقيقه.

ومن أهم الأجهزة في الدولة المعاصرة جهاز الإعلام, الذي يُسهم بوسائله المتعددة المقروءة والمسموعة والمرئية في التوعية بالقضايا الأمنية, وترجع أهمية الإعلام في تحقيق الأمن في أنه يستطيع أن يصل بسهولة إلى فكر الإنسان ووجدانه, ويسهم في تشكيل آرائه واتجاهاته.

ولهذا تتجه المجتمعات المعاصرة إلى تنمية الوعي بالأمن الشامل من خلال إطلاق “حملات التوعية الإعلامية الأمنية”, والتي تقوم بدور إيجابي مؤثر في لفت أنظار أفراد المجتمع إلى الظواهر الأمنية ودعوتهم إلى تجنب الوقوع فيها وتفادي آثارها السلبية مثل حملات التوعية ضد الحوادث المرورية, التي أضحت بمثابة سرطان العصر يحصد أرواح آلاف المواطنين, وحملات التوعية الأمنية ضد ظاهرتي المخدرات والتسول وغيرها من الظواهر الأمنية.

والحقيقة أن الإعلام الأمني يُجسد المسؤولية التضامنية, ويُقيم جسوراً من النصح والتفهم والمشاركة بين رجال الأمن والجمهور, وينشر المعرفة بين رجال الأمن أنفسهم, ويُزودهم بخبرات ومهارات عديدة تُسهم في تحسين أدائهم لواجباتهم الوظيفية, بما يُحقق المصلحة العامة للوطن.

وحتى يصل إلى هذه الغاية النبيلة فإنه يلتزم النشر الصادق للحقائق والثوابت الأمنية والآراء والاتجاهات المتصلة بها, والرامية إلى بث مشاعر الطمأنينة والسكينة في نفوس الجمهور, من خلال تبصيرهم بالمعارف الأمنية وترسيخ قناعاتهم بأبعاد مسؤولياتهم الأمنية, وكسب مساندتهم في مواجهة الجريمة وكشف مظاهر الانحراف.

إن مهمة الإعلام الأمني لا تقف عند حد نقل المعلومات الأمنية الصادقة إلى الجماهير وإلى المسؤولين, بل إنها تتعدى ذلك إلى اتخاذ الوسائل الكفيلة كافة بتأسيس وعي أمني شامل يُثري الروح المعنوية للمواطن ولرجل الأمن على حد سواء تجاه الظاهرة الإجرامية, بإبراز جوانب الظاهرة, وأخطارها, وأسبابها, سواء أكانت أسباباً شخصية أم مادية, وتوجيه الرأي العام نحو التصدي لها, والوقاية منها, وتنمية حسهم الأمني, وإشعارهم بمسؤولياتهم الجماعية عن مكافحة الجريمة والانحراف, ونشر الحقائق عن الأحداث الأمنية بحياد تام دون تهويل أو تهوين, وأن تكون مدعمة بالوثائق والإحصاءات والتحقيقات الصحافية والإخبارية وغيرها؛ ما يُعطي الجمهور ثقة بالمعلومة التي تبثها أو تنشرها الوسيلة الإعلامية.

كما أن للإعلام دوراً آخر لا يقل أهمية يتمثل في تشجيع المواطنين على التعاون مع رجال الأمن, وإبراز الوجه الحقيقي الإيجابي للأعمال التي يقومون بها, وخاصة دورهم الإنساني والاجتماعي, وبذلك يُسهم الإعلام الأمني في تنمية الحس الاجتماعي التلقائي في التصدي للجريمة, بتشجيع كل من شاهد الجريمة على الإدلاء بشهادته الصادقة, وعدم التستر على الفارين من يد العدالة أو المخالفين للأنظمة.

ومن أهم خصائص الظاهرة الإجرامية أنها تُشكل إطاراً معرفياً متكاملاً يُجسد النسيج الاجتماعي المحيط به والمنتج لصوره وأشكاله, لذا فهي متداخلة ومتشابكة مع الظواهر الأخرى, وهي ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد, وتتمتع بالخصوصية والعمومية في آن واحد فهي تعني المتورطين فيها كما تعني المجتمع كله. كما أنها ظاهرة ذات طبيعة تفاعلية بين السبب والنتيجة, وليست ظاهرة عشوائية, بل إنها ظاهرة منتظمة ديناميكية تتصف بالحركة المستمرة.

ولهذا فإن رسالة الإعلام الأمني تُعد رسالة شاقة تواجهها صعوبات عديدة أهمها صعوبة التعامل إعلامياً مع الحقائق الأمنية, وتعذر وجود مرجعية يستند إليها الإعلامي عند تقديم تغطية إعلامية مناسبة للحدث الأمني, وقلة البحوث والدراسات واستطلاعات الرأي وقياسه بصدق وحياد. إضافة إلى الحساسية الاجتماعية والمسؤولية القانونية للموضوع الأمني, وندرة المعلومات المتعلقة به أو ارتباطها بالسرية؛ لذا فإن التغطية الإعلامية الأمنية الناجحة تتطلب تساند أطراف العملية الإعلامية من مرسل ورسالة ومستقبل حتى يحقق الإعلام الأمني غايته التي تتمثل في المشاركة مع أجهزة الدولة في مكافحة الجريمة, فهذه الغاية لن تتحقق على النحو المطلوب إلا إذا كان الإعلامي مقتنعاً برسالته الإعلامية ومتحمساً ومخلصاً لها, ومستعداً للتضحية بكل غال وثمين في سبيل توصيل رسالته الصادقة إلى المواطن, مهما كلفته من جهد ومهما كانت الصعوبات التي واجهته.

ولقد وتوصلت بعض الدراسات التطبيقية التي أجريت عن التوعية الأمنية في وسائل الإعلام كالصحافة والتلفزيون, إلى أنها تهتم بتعليم المواطنين والتركيز على الجانب الوقائي في مفهوم الأمن أكثر من اهتمامها بالجانب العقابي.  أن الدور الأمني لوسائل الإعلام يجب ألا يركز على جانب الوقاية من الجريمة ويهمل الجانب العقابي لأن لهذا الجانب دوراً أساسياً في الوقاية؛ إذ إن تطبيق العقوبات القانونية بحق المخالفين يؤدي ـ فضلاً عن زجر الفاعلين ـ إلى تحقيق الردع العام, فيمتنع بعض المواطنين عن ارتكاب الجريمة خوفاً من أن يُصبح مآلهم هو ما تعرض له الجناة ذاته.

 

دور الإعلام في التنشئة الاجتماعية السوية:

يولي العديد من المهتمين والمتخصصين في مجالات التربية والتعليم بالآثار السلبية المحتملة للإعلام بالخصوص الإذاعة والتلفزيون وتأثيرها على الأطفال والشباب بالذات، إلا أنه لا يمكن إغفال الجوانب الإيجابية التي تحققها وسائل الإعلام وذلك عبر البرامج الملتزمة في كافة حقول الترفيه والتوجيه والمعرفة، بغض النظر عما يقال عن اهتمام الناشئة بما توفره وسائل الإعلام على حساب التحصيل العلمي، إلا أن المحصلة الإجمالية لثقافة الطفل في عصر التلفزيون قد تفوق في النوعية والحجم عصر ما قبله.
ومن المعلوم أن الإعلام يخاطب عقول الجماهير لذلك يعتبر وسيلة أساسية لنشر الثقافة وتنمية الفكر، كما يعمل الإعلام على إيصال الأخبار والمعلومات للجماهير بهدف زيادة المعرفة وتشجيع التعلم واكتساب المعارف والمهارات والحصول على معلومات وخبرات جديدة تساعد على الارتقاء بثقافة الفرد والمجتمع، ومن هنا يمكن القول أن الإعلام يقوم بمهمة ثقافية جليلة تتمثل في نشر الأفكار المتقدمة والمعلومات الحديثة والتقدم العلمي والتكنولوجي بالإضافة إلى التعليم ومحو الأمية ونقل التراث الثقافي عبر الأجيال وغرس القيم الاجتماعية والوطنية النبيلة.

وبالتالي تتحمل وسائل الإعلام المختلفة من تلفاز وإذاعة وصحافة ومسرح مسؤولية أساسية وكبيرة في إذكاء وتنمية الشعور لدى الأفراد بالانتماء إلى بلده ووطنه ، وحب هذا الوطن والعمل على إعلاء شأنه بين الدول الأخرى، ويتأتى ذلك عن طريق بث البرامج والأفلام الوثائقية والمسلسلات التي تبين تاريخ الوطن وما يضمه بين جنباته من معالم تاريخية ودينية، وعن طريق تنمية حب الوطن وغرس القيم الوطنية في أفراد المجتمع فإن ذلك يحد بشكل كبير من انتشار الجرائم خاصة تلك الموجه إلى الممتلكات العامة.
و تشير الدراسات والأبحاث العلمية في علم الاجتماع الجريمة إلى أن هناك علاقة متفاعلة بين وسائل الضبط الاجتماعي وظاهرتي الجريمة والجنوح ، ومن أكثر الوسائل فعالية للضبط هي وسيلة الضبط الاختياري التي يفرضها بعض الأفراد على أنفسنهم وهذا من خلال التوعية بمخاطر السلوكات المنحرفة في المجتمع والرسائل التي تمررها وسائل الإعلام إلى المجتمع بضرورة الابتعاد عن الممارسات السلوكية التي تضر بالأفراد والمجتمع، وبهذه الطريقة يساهم الإعلام في عملية الضبط الاجتماعي باعتباره أهم الوسائل الناجعة في الوقاية من الجريمة والانحراف.

 

Views: 248

شاهد أيضاً

ما هو حشيش الجوكر.. مخدرات اصطناعية على شكل بخور.. خطر جديد يحدق بالشباب

إن مادة “الجوكر” تعد من المخدرات الاصطناعية التي وصلت إلى الأسواق العالمية في عام ،2000 …